جديد الموقع
الرئيسية >> مقالات >> البابا شنودة الثالث >> المال الحرام والسرقة

المال الحرام والسرقة

المال الحرام والسرقة

لقداسة البابا شنودة الثالث

———————————-

المال الحرام هو كل مال تحصل عليه، وهو ليس من حقك: كأن يكون ثمنًا للخطية، أو قد وصل إليك بطريقة غير شرعية. والسرقة هي أحد بنود المال الحرام، ولكن معناه أوسع من السرقة. بكثير، ويشمل عناصر متعددة سنذكرها فيما بعد.

* والسرقة هي خسة في نفس السارق وعدم أمانة. إنها تحطم شخصيته في نظر الناس، وتدعوهم إلى الاحتراس منه والى احتقاره وعدم الخلطة به. بل قد تجعل السارق ذاته حقيرًا في عيني نفسه.

* والسرقة قد تكون في الخفاء أو في العلن بإرادة المسروق أو بغير إرادته. ومن أمثلة حدوثها في الخفاء بدون علم المسروق ما يفعله المختلسون أو كسرقة مال شخصي في غيبته أو أثناء نومه. أما في العلن فمن أمثلتها ما تتم عن طريق الاحتيال أو الخداع أو التزوير. وفي هذه الحالة تكون برضى المسروق ولكن بغير علمه بحيلة السارق. وقد تحدث السرقة أيضًا علنًا أمام بصر المسروق وتحت سمعه، ولكن بغير رضاه، كالاستيلاء على ماله بالقوة، بالقهر أو بالاغتصاب أو بالتهديد. وهذا ما يسمونه (السرقة بالإكراه) مثلما يفعل الخاطفون وقاطعو الطريق وقراصنة البحار. وهؤلاء تمتزج سرقتهم بالإيذاء.

* والسرقة قد تكون أحيانًا نوعًا من المرض النفسي، يحتاج إلى علاج لا إلى عقاب. وفي حالة هذا المرض، يلاحظ أن السارق قد يأخذ أشياء لا يحتاج إليها مطلقًا، أو لا يعرف كيف ينتفع بها. إنما يجد لذة في الاحتفاظ بها وفي أخذها من غيره. وربما يكون مدفوعًا إلى هذه السرقة المرضية بعوامل داخلية فوق إرادته، وهو يفعل هذا ولا يستطيع أن يقاوم نفسه.

* عمومًا فالمال الحرام الذي يحصل عليه السارق كفيل بأن يضيّع المال الحلال الذي كان موجودًا معه من قبل. وعلى رأى المثل “المال الحرام يأخذ الحلال معه ويضيّعه”. فالسرقة هي نار للسارق نفسه، تتلف ما معه. مثل إنسان تناول طعامًا تالفًا أو غير مقبول الطعم أو عفنًا. فما أن ينزل هذا الطعام إلى جوفه، حتى يتقيأ كل ما في داخله من جيد ورديء.

فما أجمل أن يعيش الناس معًا في جو من الأمانة من الثقة المتبادلة والاطمئنان، حيث يترك الإنسان أي شيء له في أي مكان، فيجده حيث هو. ويترك بيته مفتوحًا، فلا يأخذ أحد منه شيئًا… وإن نسى خطاباته أو أسراره في موضع، يكون مطمئنًا أنه لن يسمح أحد لنفسه أن يطّلع على شيء منها.

* إن السرقة خطيئة تخجل من ذاتها، لذلك فإن تُقترف في الظلام، وصاحبها يشمئز منها ويتبرأ ويحاول أن ينفيها عن نفسه. ولهذا نقول “إن سار شيطان السرقة في طريق، يقول له شيطان الكذب: “خذني معك”. فمن الصعب أن تجد سارقًا لا يكذب. فهو يكذب لكي يغطى سرقته وينكرها. وهو يكذب قبل السرقة وأثناءها. يكذب قبلها لكي يتمكن من إتمامها، كما يفعل الخادعون، ويكذب أثناءها لكي تستمر أو لكي يخدع من يراقبه ومن يشك فيه. ويكذب بعدها لينجو من الخجل أو من العقوبة.

* وتزداد خطية السرقة ثقلًا بعاملين: أحدهما مقدار الضرر الذي يحيق بالمسروق، وثانيهما شخصية المسروق ذاتها. فهناك من يسرق من الأفراد، ومن يسرق من الهيئات أو البنوك، ومن يسرق مال الدولة، ومن يسرق من بيت الله أو من حقوق الله المالية عليه.

والسرقة من الفقير والمحتاج لها بشاعتها، كمن ينهب مال اليتيم أو الأرملة، أو ما قاله شاعر عن بعض من جمعوا المال حرامًا، أنهم: “خطفوه من فم الجوعان بل من رضيع لم يوفّوه فطام”.

* وهنا لا تقاس ثقل السرقة بمقدار قيمة الشيء المسروق، وإنما بمقدار أهميته للشخص الذي سرق منه… وقد لا تكون للشيء المسروق قيمة في ذاته، لكنه يمثل لصاحبه ذكرى عزيزة أو أهمية خاصة، بحيث أن فقده يحدث في قلبه ألمًا عميقًا لأن من الصعب تعويضه.

* والسرقة من إنسان محتاج تدل على إنعدام الشفقة في قلب السارق. مثال ذلك من يأخذ ربا أو رهنًا من شخص لا يجد قوته الضروري. فكأنه يسلبه طعامه وطعام أولاده. وهذا الفقير لولا عوزه، ما كان يلجأ إلى القرض أو الرهن. فهل يليق بدلًا من مساعدته، أن يقرضه الدائن بالربا؟! وهذا المال الزائد الذي يأخذه المرابي من الفقير غير الربا الذي تدفعه البنوك والمصارف التي تتاجر بمال المودعين عن طريق مشروعات اقتصادية تربح منها، ثم تشركهم في ربحها باعتبارهم شركاء في رأس المال.

* على أن العكس قد يحدث بأن يسرق بعض المودعين من البنوك، بأن يأخذ قرضًا بالملايين ثم يهرب. وهناك أيضًا نوع آخر يسمى (بالقروض المعدومة)، له اسم القرض مع العجز التام عن الوفاء به، وهو كذلك سلب لمال الغير. وأصعب منه (إعلان الإفلاس) حيث يضيّع حقوق كثيرين، سواء كان إفلاسًا حقيقيًا أو حيلة مدبرّة.

* أما السرقة من مال الدولة فتأتى بوسائل متعددة منها ما يقوم به البعض من حيل للإفلات من الضرائب أو من الجمارك، أو المطالبة بالإعفاء من رسوم معينة بدون وجه حق، أو استخدام عربات الدولة في تنقلات خاصة لا علاقة لها بالعمل، أو استخدام النفوذ في شراء أراضٍ أو أملاك للدولة بأبخس الأثمان، أو الحصول على رشوة للمساعدة في سلب بعض حقوق الدولة المالية. وتكون الرشوة هي من بنود المال الحرام.

شاهد أيضاً

التواضع ومجد الله

إتضع ترى مجد الله فى داخلك، لأنه حيث ينبت التواضع، من هناك ينبع مجد الله. …

تعليق واحد

  1. ربنا موجود